حين تنفست الأرض بالسواد.. ابتلعت ضوءها
- Haneen Adel Abusallama

- 24 نوفمبر 2025
- 2 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 25 نوفمبر 2025

كنّا نمشي في الطريق الصاعد كأننا نهبط من دنيا أخرى ونتجه إلى مرتفعٍ يلوّح لنا من بعيد. الهواء كان ثقيلاً، ليس لحرارته، بل لشيءٍ غير مرئي يضغط الصدور ويجعل الخطوات أبطأ مما يجب. كانت التلة تعلو تدريجيًا، وكلما ارتفعنا شعرنا كأننا نبتعد عن العالم الذي نعرفه… ونقترب من شيء لم نسمّه بعد.
وفجأة، انكسر الصمت.
انفجرت من أعلى الطريق صرخات أطفال، صرخات حادّة تشبه طعنات ضوء في ليلٍ كثيف. ركضوا نحونا بعينين زائغتين، ووجوه متسخة بالخوف. كانوا يلهثون: “أبونا… أبونا مريض… سيموت إن لم تُسعفوه !.”
تبادلنا النظرات، لوهلة شعرت أن الزمن توقف، ثم اندفعنا ركضًا، كأننا نركض داخل قدرٍ كُتب لنا منذ زمن.
على يسار الطريق ظهر مبنى شاحب الواجهة، ضوؤه الأحمر يلمع بكسل، يشبه قلبًا يحتضر. أدركت فورًا أنه قسم الطوارئ أو شيء قريب منه. كان الأطفال مرتعبين فكما وصفو لنا؛ الدماء تغطي جسده الضعيف.
هرع أصدقائي مع الأطفال إلى الداخل، يرفعون الرجل الفاقد لوعيه ، يصرخون بطلب المساعدة… وأنا كنت خلفهم بخطوات قليلة، لكن شيئًا ما سحب بصري إلى اليمين.
كانت هناك شجيرات صغيرة… ساكنة بطريقة غير طبيعية، كأن الهواء يتجنب الاقتراب منها. بين أغصانها لاحظت حركة خفيفة، حركة لم تكن تنتمي للعالم الذي نقف عليه. كانت في منتصف الطريق أعلا التل بين رمال شاحبة وطريق ساكن يكاد يكون مظلم.
اقتربت.
وكان المشهد ينتظرني كما تنتظر الحقيقةُ الشخصَ الذي حاول الهرب منها طويلًا.
رأيت جسداً لرجل، بنصف جسد فوق الأرض، غاب نصفه الآخر وكأنه غارق في الأرض؛ كأن التراب يبتلعه ببطء. ملابسه ممزقة، ووجهه متيبس، لكن هذا لم يكن أكثر ما أثار خوفي.
ما أثار رعشتي أن أعشابًا سوداء كانت تنبت من تحته...
أعشاب ليست من جنس الأرض.
داكنة كلون حبرٍ يسيل من كتابٍ قديم نسيه الزمان.
كانت تتحرك… نعم، تتحرّك كما لو أنها تتنفس.
انحنيتُ وقلبت الجثمان بحذر. تساقطت طبقة من التراب فظهر تحتها مشهد لا يمكن للعين أن تتجاهله؛
الأرض ليست أرضًا، بل جلدٌ أسود يتشقق، تنبثق منه خيوط نباتية تلتف حول بعضها مثل أفاعٍ ناعمة، تمتد وتتمدد وتتشابك وهي تكبر أمامي، وكأنني أحضر ولادة شيء لا ينتمي للعالم.
بدأت الأعشاب السوداء تتكاثر، تنفذ من التربة، تفرش نفسها، وتفتح فجوة صغيرة… فجوة تلمع داخلها عتمة مختلفة، عتمة لها شكل وطعم وصوت. شعرت وكأن البقعة التي تقف أمامي ليست مجرد حفرة… بل بابٌ صغير إلى بُعد آخر، إلى عالمٍ يشهق ظلامًا ويتنفس من خلال تلك الأعشاب الغريبة. كانت تستحوذ على بصري وبصيرتي؛ بل كانت تبتلعني.
للحظةٍ كاملة شعرت بأن الأرض تميد تحتي...
وبأن شيئًا يستيقظ، شيئًا ظلّ نائمًا طويلًا تحت طبقاتٍ من الصمت والخوف والذاكرة.
رفعت رأسي وأنا أسمع من بعيد أصوات أصدقائي ينادونني، لكن الصوت جاءني كأنه صادر من مكان آخر… مكان لا أنتمي له بعد، ولا أستطيع مغادرته تمامًا.
وقفت أمام تلك الفتحة السوداء...
أحدّق فيها...
كأنها تحدّق بي،
وذات لحظة، أدركت أنني لم أكن أبحث عن شيء...
بل شيءٌ كان يبحث عني.



تعليقات