top of page

ضوء ينبوع أخضر وقيدٌ شاهد

صورة الكاتب: Haneen Adel Abusallama
Haneen Adel Abusallama
قبل 7 ساعات
4 دقيقة قراءة
امرأة تشاهد بحيرة مضيئة داخل كهف مجهول ، إذ يتلألأ الضوء الأخضر ويحيط بها تمثال قديم.
امرأة تشاهد بحيرة مضيئة داخل كهف مجهول ، إذ يتلألأ الضوء الأخضر ويحيط بها تمثال قديم.

ينما كنت أقود سيارتي لمكان كنت أعرف أنني أقصده أو لربما ظننت.

حين بلغته، أوقفت سيارتي في موقف مواجهه لبناء غريب تصطف فيه السيارات عاموديا بجانب بعضها البعض . أوقفت سيارتي في موقف بين سيارتين، أحكمت مكابحها، وأغلقت أبوابها كما يفعل المرء حين يطمئن إلى أن شيئاً لن يحدث في غيابه ؛ لأنه أحكم المراجعة وأحسن التأكيد. ثم نزلت على مهل.

التفت إليها لحظة.

كانت واقفه كما ينبغي؛ مستقيمة، آمنه، ساكنة.

دخلت متوجهة إلى المبنى. كان يحمل وجهين في وقت واحد؛ كان يحمل رائحة الحاضر وهيئة الماضي، جُمعت فيه الحجارة والرخام وكأنهن يتجاورن في أزل معقود بعهد لا يزول. كان خارجه بناء بينما داخله كهف لجبل عتيق، وممرات لا تتسع إلاَ لعابر واحد، كان المكان لا يسمح لأكثر من روح أن تمر في اللحظة نفسها.

كان الفراغ الشاسع يفتح أمامي قاعة لا أعرف أين تنتهي، فالظل كان يبتلع أخرها كما يبتلع جهل الغد حضور اليوم، كانت الممرات تتشعب عن يمينها وعن يسارها بنظام عجيب، كأنها شبكة قديمة رسمها أحدهم فوق الماء. 

وبينها كانت تمتد مساحات من الزرقة المخضرة في لونها: 

 ينابيع؟

مسابح؟

بحيرة تنام في سبات عميق؟

لم أعرف.. لم أعرف.

 

كان الماء أزرقا عتيقاً له رائحة مكانٍ ظل طويلاً.. بعيداً عن أقدام الناس. كانت الرائحة قديمة ، تأخذها أنفاسي بعمق يجتذني إلى حاضر المكان في أمسه.

عبرت.

وعلى يسار الممر الذي كنت أقف به، رأيت فتاه تراقب قدومي ومعها أخوان يسبحان. كانوا جميعا في عمر الشباب. كانوا يمرحون ويترقبون وصولي كأنهم يعرفونني. حين اقتربت، دعوني للانضمام معهم في الماء، قالوا لي إنهم كانوا ينتظروني.

نظرت إليهم، ثم نظرت حولي.

لم أكن بحاجه إلى وقت طويل. في نظرة واحدة، انكشف المكان كله أمامي. كان عاريا لا تستره إلا الحقيقة التي عرفها يقيني.

عرفت أن هذا ليس المكان الذي ينتظرنا. كان المكان الحقيقي ما يزال خارجاً.

وراء البوابة التي أبصرتها عيني في فراغ القاعة الشاسع؛ في آخر الظل. كنت قد رأيته من قبل وأنا أقود سيارتي وأدور حول المكان.

شاهدته يمتد فوق تلٍ مرتفع.  جنان تتكئ على بعضها، وينابيع تتحول إلى مسابح، وبيوت وساحات تتسع حتى تكاد تكون قصوراً.

مكاناً لا يشبه أبدا هذا الضيق الذي كنت أقف فيه.

لم أقل شيئا.

تركتهم في مائهم.

كانوا يمرحون، والماء يتحرك تحت أجسادهم بخفه، قطراته تضرب جدران التجويف فتعود لي بأصداء غريبه. جعلتني أعرف بها؛ أنني بداخل كهف ببرودة الطبيعة التي تتكيف معها وتنجو.

كان الماء يحمل شيئاً من نور المكان الأخضر. لم يكن الماء مضاءً من السماء، بل من شيء أعمق منها .

لم أعرف يومها أن بعض الينابيع لا تروي العطش، بل تكشف الطريق.

فليس كل ما يبدو جميلاً هو المقصد، وليس كل من ينتظرك يعرف أين ينبغي أن تذهب.

 

  حين أحسّوا أنني لم أشاركهم فرحتهم، سكتوا، ثم توقف الماء، وتوقفت أصواتهم، وظللت أراقب.

ثم خرجت.

 عدت إلى سيارتي. لا أدري ما الذي أردت أن أحضره أو لماذا عدت في الأصل، لكن قدمي وروحي كانتا تسوقانني وكأن لخطوتي دليل.

لكنني حين اقتربت منها رأيتها تتحرك إلى الأمام، ثم إلى الخلف، ثم تدور حول نفسها في المساحة ذاتها التي كنت قد أوقفتها فيها.

اصطدمت بالسيارات من حولها ومالت قليلا عن استقامتها التي أوقفتها بها.

تجمدت في مكاني. كان المشهد أكبر من أن أفهمه. لكن حين اقتربت، توقفت السيارة.

فقط، لأنني وصلت.

كأن حضوري كان أمرها الوحيد.

بدأت أنظر على السيارات الأخرى. كانت جميعها مغطاة بملاءات. رفعت الغطاء عن إحداها. كان الضرر واضحاً عند الزاوية الخلفية ثم رفعت الغطاء عن الأخرى، ضرر آخر في الزاوية الأمامية. لم يكن الخراب عظيما، لكنه كان موجوداً.  نظرت على سيارتي وأنا أحدث نفسي:

لوكان بها عطل لخرجت عن مسارها، لماذا بقيت هنا؟ ولماذا مالت بهذا الشكل؟

ثم رأيت السبب.

كانت خلف سيارتي شاحنه بيضاء ضخمة. مغطاة هي الأخرى بقطع من الملاءات ؛ كانت تقف بالعرض خلف سيارتي؛ تسد الطريق وتمنع السيارة من الخروج.

اقتربت منها، سمعت المحرك يعمل وضوء المصابيح يتنفس من تحت الأغطية.

رفعت الملاءة.

فوجئت بثلاث رجال؛ ضخاماً، طوالاً كأن أجسادهم لم تخلق على مقاس العالم الذي أعرفه. كانوا يغطون وجوههم بمناشف، ويأخذون غفوة داخل الشاحنة، وحين رفعت الغطاء، شعروا بي واستيقظوا.


لكن المفاجأة لم تكن فيهم وحدهم. كانت الشاحنة نفسها قد أصابها الضرر.


فهمت.


لقد أوقفوها خلفي عمداُ.


حبسوني.


وحين فعلوا ذلك أصابها ما أصابني.


خرج الرجال.. وقفت.

لم أهرب.

لم أصرخ.

لم أرفع صوتي.

عدت إلى السيارات أراجع آثار الاصطدام، ثم هدأت.

كان الضرر موجوداً، لاكن سيارتي مؤمّنة وسيٌصلح ما أفسدته الحركة.

لم يعد في الأمر ما يستحق الرعب.

انتظرت.

جاؤوا نحوي؛ كانوا يفوقونني كثيراً في الطول ؛ لأراهم أرفع رأسي كأني أنظر للسماء أو أبحث عن ثمرة في أعلا فرع في شجرة شاهقة. كانوا أثقل حضوراً مما اعتدت أن أرى. 

سألوني.. ثم ابتعدوا قليلا، وتشاوروا بلغة غريبة.

 كنت أفهم بعض كلماتها، ولا أفهم بعضها.

عادوا.

سألوني عن حياتي؛ عن أشياء صغيرة، عن أحوالي، عن الطريق الذي جئت منه.

كنت أجيب وبعد كل إجابة، كانوا يعودون إلى بعضهم.. يتشاورون.

كنت أرى في وجوههم شيئاً يتغير؛ لم يكونوا يبحثون عن عقوبة.

كانوا يبحثون عن مبرر للعفو.

يتحدثون عن أن الأمر لا يستحق المبالغة وأن يتركوا ما حدث يمر.

أما أنا،

فكنت أجمع نفسي من كل تلك الغرابة.

أثبت قدمي.

أضبط صوتي.

وأتكلم معهم كما لو أنهم رجال عاديون، وكأن طولهم لم يزد، وكأن العالم لم يتبدل من حولي.

كنت احاورهم بهدوء.

أفهم ما أستطيع فهمه، وأحترم مالا أستطيع.

حتى انتهى الأمر. 

عدتُ إلى سيارتي.

لكن شيئاً ما قد تغير؛ لم يعد صوت المكان هو نفسه.

في طريقي.. همس الصمت من جهة لا أعرفها.

لم يكن صوت رجل، ولا صوت امرأة، ولا صوتاً أستطيع أن أنسبه إلى أحد.

 كان كأنه همس السماء.

: لقد تعاونوا على حبسك في مكان ضيق.

 صّور لي مشهد؛ فتح نوافذه أمامي كما يُفتح العالم أمام الأعمى إذا أصبح بصيراً.

توقفت.

فكرت في الممرات، في الماء، في الظل، في السيارة التي لم تستطع الخروج، في الشاحنة التي توقفت خلفي، في الرجال الذين اجتمعوا حولي.

ثم تذكرت المكان الذي رأيته من بعيد؛ التلال، والوجدان، والينابيع، والساحات التي تشبه القصور.

فهمت شيئاً لم أفهمه وأنا هناك.


لم يكن المكان الضيق هو العالم؛ كان مجرد مكان حاول أن يقنعني بأنه العالم.. أما العالم الحقيقي، فكان لا يزال ينتظرني خلف البوابة.

وجدتني أمام تماثيل من حجر وطين، بارزه من جدرانها، كأن الزمن قد أخرج أجسادا من صمته وتركها تقف هناك لتشهد.

 

كان يحيط بأطراف أجسادها إطار من معدن أسود كأنه بروازا لذلك الجسد. يسير حولها بدقه عجيبة؛ لا أعرف أهو قيدٌ أم زينة، أهو ما يحاصر الجسد أم ما يرسم حدوده.

كانت أيديها مقيدة ...ومع ذلك كانت تتحرك.

رأيت الأصابع تتحسس مواضع القيد، ثم بدأت الأيدي تفك نفسها ببطء، كأنها لم تكن تنتظر مفتاحاً من خارجها.

لم أفهم.

ظللت أنظر.

ثم شعرت أن الهمس لا يريني المشهد عبثاً.


كان يأخذني إليه كما يأخذ الشاهدٌ بيد من كُتب عليه أن يرى الدليل بعينيه.


كان يأخذني بيد من ضاق به المكان، ليٌريه أن القيد ليس آخر الحكاية.

 
 
 

تعليقات


bottom of page